الثقافة قيدٌ استراتيجي، لا إضافة على الاستراتيجية
العودة إلى المدونة

المدونة · الثقافة | مواءمة الاستراتيجية

الثقافة قيدٌ استراتيجي، لا إضافة على الاستراتيجية

ما كشفه تشخيص ثقافي قائم على القياس لأحد عملائي عن مسار النمو الذي يستطيع تنفيذه فعليًا.

· 8 دقيقة قراءة · بقلم Hala Achkar Slaiby, People & Co | Founder | Certified HR & OD Consultant

تأتيني فرق القيادة بخطط نمو عملت عليها لأشهر. الخطط سليمة في الغالب؛ قراءة السوق صحيحة، والأرقام متماسكة، والطموح معقول.

ثم يسأل أحدهم: هل ستنجح؟ والإجابة الصادقة أن لا أحد في القاعة يعرف، لأن لا أحد قاس المتغيّر الذي يحسم الأمر.

ليس السوق. بل المؤسسة.

الثقافة هي التي تحدد كلفة التنفيذ وسرعته. كل خيار استراتيجي يعتمد على مجموعة مختلفة من السمات، والشركة القوية في مجموعة وضعيفة في أخرى لا تملك في الحقيقة ثلاثة خيارات نمو، بل خيارًا واحدًا يمكن تنفيذه اليوم، وآخر يمكن تنفيذه خلال عامين، وثالثًا سيفشل إذا بدأ في كانون الثاني/يناير.

معظم الشركات تكتشف ذلك بعد أن يكون رأس المال قد التُزم به بالفعل.

لماذا لا تُفضي معظم النقاشات حول الثقافة إلى شيء

اطلب من فريق قيادي أن يصف ثقافته، وستحصل على صفات: ريادية، أشبه بعائلة، مجتهدة. وأحيانًا «سياسية»، إن كانت القاعة صادقة.

الصفات عديمة الفائدة في التخطيط. لا يمكن اختبار صفة مقابل خطة خمسية. ولا يمكن معرفة ما إذا كانت «الريادية» قوية بما يكفي لحمل برنامج تنويع، أم أنها تعني ببساطة أن ثلاثة أشخاص في القمة يرتجلون بينما ينتظر البقية التعليمات.

لهذا ينتهي العمل على الثقافة غالبًا حيث بدأ: يُجرى استبيان، يُعرض تقرير، يتفق فريق القيادة على أن النتائج مثيرة للاهتمام، وتمضي الاستراتيجية كما كُتبت تمامًا. تتحول الثقافة إلى مسار موازٍ: ملصقات قيم، مبادرات مشاركة، ورشة عمل واحدة. لا تمسّ أبدًا قرار توزيع رأس المال.

الحل ليس مزيدًا من الحماس تجاه الثقافة، بل قياس ينتج أرقامًا يمكن للجنة الاستراتيجية أن تتناقش حولها فعليًا.

أداتان، وسؤالان مختلفان

أستخدم أداتين معتمدتين معًا، لأن كل واحدة تجيب عن سؤال لا تستطيع الأخرى الإجابة عنه.

استبيان دينيسون للثقافة المؤسسية (Denison) يقيس أربع سمات مرتبطة بالأداء التجاري: الرسالة، والقدرة على التكيّف، والمشاركة، والاتساق. وهو يجيب عن سؤال: أي السمات الثقافية قوية بما يكفي لتحمّل العبء؟

أما أداة تقييم الثقافة المؤسسية (OCAI)، فترسم موقع المؤسسة ضمن أربعة أنماط ثقافية متنافسة، وتطلب من كل مشارك تقييم الثقافة كما هي اليوم والثقافة التي يفضّلها. وهي تجيب عن سؤال مختلف، وأكثر إزعاجًا: إلى أين تريد المؤسسة أن تتحرك، وهل يريد الجميع التحرك في الاتجاه نفسه؟

كل أداة بمفردها تعطيك وصفًا. أما معًا، وعلى عيّنة كبيرة بما يكفي، فتعطيانك تشخيصًا. إحداهما تخبرك أين الجدران الحاملة، والأخرى تخبرك أين يكمن التوتر.

الحجم مهم. عيّنة من أربعين مديرًا تعطيك رأيًا. أما مسح شامل يصل إلى كل المستويات وكل المواقع فيعطيك التباين، والتباين هو حيث تكمن الرؤية الاستراتيجية. إن لم يصل الاستبيان إلى أرضية المصنع والفرع والموقع الإنتاجي، فهو لا يقيس سوى المكتب الرئيسي.

ثلاثة أنماط تتكرر باستمرار

عبر التشخيصات التي أجريتها في شركات يقودها مؤسسوها وشركات عائلية، تتكرر ثلاث نتائج بشكل يستحق ذكره مسبقًا. لا واحدة منها وصف لشركة بعينها؛ كلها إنذارات.

رسالة قوية، وقدرة ضعيفة على التكيّف. يعرف الموظفون إلى أين تتجه الشركة ويؤمنون بذلك. وهذا أصل حقيقي، وأندر مما يفترضه المسؤولون التنفيذيون. لكن العيّنة نفسها تسجّل درجات منخفضة في السمات التي تحكم التغيير: التعلّم من الفشل، والاستجابة للعملاء بأساليب جديدة، وتحمّل غموض شيء لم ينجح بعد. الشركات التي يقودها مؤسسوها مبنية على القناعة، لا على التجريب.

فجوة صغيرة في القمة وفجوة واسعة في الوسط. يرى الفريق التنفيذي أن المؤسسة تتحرك بالفعل نحو أسلوب عمل أكثر مرونة وتمكينًا. أما الإدارة الوسطى، الطبقة التي تحوّل الاستراتيجية فعليًا إلى عمليات، فترى أن الوضع لا يزال محكمًا وهرميًا، وتريد شيئًا مختلفًا تمامًا.

هذا هو الرقم الأكثر فائدة الذي يمكن أن ينتجه أي تشخيص ثقافي، وهو غير مرئي في أي متوسط. فهو يعني أن فريق القيادة يعتقد أن تغييرًا يجري بالفعل، بينما لم تختبره بقية الشركة. كل مبادرة تُطلق من هذا الموقع تسير أبطأ مما تفترضه الخطة، ولا أحد في القمة يفهم السبب.

التباين بحسب الموقع يفوق التباين بحسب الوظيفة. في المجموعات متعددة المواقع والدول، يشكّل السياق المحلي، وسوق العمل المحلي، وقائد الموقع نفسه الثقافة أكثر من أي توجّه على مستوى المجموعة. أي برنامج ثقافي مصمَّم مركزيًا سيصل بشكل مختلف إلى كل سوق، وفي سوق واحد على الأقل سيصل كضجيج لا أكثر.

الكلفة الثقافية لكل مسار نمو

تكاد كل خطة نمو أن تكون مزيجًا من ثلاثة مسارات. كل مسار يعتمد على سمة مختلفة، والتشخيص يخبرك أي فاتورة يمكنك تحمّلها.

تعميق الحصة في الأسواق الحالية يعتمد على الاتساق والانضباط. وهو يكافئ المؤسسات التي تنفّذ الشيء نفسه بموثوقية، وبوتيرة سريعة، وضبط تجاري محكم. الشركات ذات الدرجات القوية في الرسالة والاتساق مهيّأة لهذا المسار أصلًا، ولهذا هو عادة أكثر المسارات أمانًا للبدء به.

الدخول إلى جغرافيات جديدة يعتمد على وضوح الرسالة والمشاركة. عندما تفتتح سوقًا جديدة، فأنت تصدّر الشركة نفسها. ما ينتقل ليس عرض الاستراتيجية، بل طريقة عمل الناس حين لا يراقبهم أحد من الإدارة العليا. الرسالة القوية تجعل هذا ممكنًا. أما التباين العالي بين المواقع فيعني أنك تحتاج إلى قرار صريح بشأن ما هو معياري في كل مكان وما يُترك للتقدير المحلي.

إضافة منتجات أو خدمات جديدة يعتمد على القدرة على التكيّف والتعلّم. وهو يتطلب مؤسسة قادرة على تمويل شيء قد يفشل، والتعلّم منه، ثم المحاولة مجددًا. في الشركات التي يقودها مؤسسوها، تكون هذه غالبًا أضعف سمة، وهي في الوقت نفسه غالبًا المسار الذي يتحمّس له فريق القيادة أكثر من غيره.

ما الذي يتغيّر حين تقيس أولًا

لكل خيار استراتيجي ثمن ثقافي. ومعظم الشركات تلتزم برأس المال ثم تكتشف ذلك لاحقًا.

الخطوة المفيدة نادرًا ما تكون تقليص الطموح، بل إعادة ترتيبه، وتمويل الفجوة.

ابدأ بما تستطيع المؤسسة تحمّله بالفعل، ودع المكاسب المبكرة تموّل الباقي.

رتّب المسارات الأصعب زمنيًا بحيث تُبنى القدرة قبل الحاجة إليها، لا أن يُكتشف غيابها لاحقًا.

سعّر الفجوة كبند استثماري ضمن الخطة الاستراتيجية، لا كمفاجأة في السنة الثانية.

تأمل ما يحدث من دون ذلك: شركة قوية في الاتساق وضعيفة في التكيّف تطلق المسارات الثلاثة معًا، بالوتيرة التشغيلية نفسها، وتُقيَّم بالمراجعة الشهرية نفسها. يُقاس برنامج المنتج الجديد بمؤشرات صُمّمت للنشاط الأساسي، فيخفق في تحقيقها كما يفعل أي شيء جديد. يُسحب تمويله بهدوء خلال عام، ويُدوَّن في المحضر أن السوق لم يكن جاهزًا.

لم يكن للسوق أي علاقة بذلك.

الاعتراض البديهي

ثمة اعتراض عادل مفاده أن الثقافة تتبع الاستراتيجية ولا تقيّدها: حدّد وجهة جريئة، غيّر الحوافز، استبدل بضعة قادة، وستتحرك الثقافة. وهناك أدلة حقيقية على ذلك، وأي مستشار يخبرك أن الثقافة لا تتحرك إنما يسعى لبيعك مشاركة أطول.

لكن الجدل هنا يتعلق بالزمن، لا بالاتجاه. يمكن تغيير الثقافة، بل يجب ذلك. ما لا يمكنها فعله هو التغيّر بالسرعة نفسها التي يتغيّر بها عرض استراتيجي. التعامل مع بناء قدرات يستغرق عامين وكأنه تمرين تواصل مدته ربع سنة هو ما يمنح الاستراتيجيات السليمة سمعة الفشل. قِس المسافة أولًا، ثم قرّر السرعة التي تريد أن تسير بها وما أنت مستعد لإنفاقه للوصول إلى هناك.

أربع قواعد للقادة

أجرِ التشخيص قبل اجتماع التخطيط الاستراتيجي، لا بعده. بيانات الثقافة التي تُعرض بعد اعتماد الاستراتيجية تصبح مجرد تقرير. أما إذا عُرضت قبله، فتصبح مُدخلًا فعليًا. التوقيت هو ما يحدد ما إذا كان أحد سيتصرف بناءً عليها.

استخدم أكثر من عدسة واحدة. أداة واحدة تعطيك وصفًا. أما أداتان تطرحان أسئلة مختلفة على العيّنة نفسها، فتكشفان التوتر بين موقع المؤسسة الحالي والاتجاه الذي يحاول موظفوها أخذها إليه. ذلك التوتر هو الجزء القابل للتنفيذ.

اقرأ التباين لا المتوسط. متوسط المجموعة يكاد يكون دائمًا مطمئنًا، ويكاد يكون دائمًا خاطئًا. الرؤية الحقيقية تكمن في الفجوات: بين المستويات، وبين المواقع، وبين ما يعتقده القادة وما تعيشه الإدارة الوسطى.

ضع العمل الثقافي ضمن الخطة الاستراتيجية، لا خطة الموارد البشرية. الوثيقة نفسها، والمالكون أنفسهم، ودورة المراجعة نفسها، ولوحة المتابعة نفسها. أسند كل مبادرة ثقافية إلى المسؤول التنفيذي الذي يعتمد مسار نموه عليها. فبمجرد أن يصبح العمل الثقافي حكرًا على الموارد البشرية وحدها، يتحول إلى أمر اختياري، والعمل الاختياري لا ينجو من ربع سنة صعب.

الجزء الذي يقاومه القادة

يرتاح المسؤولون التنفيذيون لقياس الأسواق والهوامش والطاقة الإنتاجية. لكنهم أقل ارتياحًا لقياس أنفسهم، وأي تشخيص ثقافي جيد يتضمن دائمًا نتيجة واحدة على الأقل تخص فريق القيادة نفسه.

وعادة ما تكون هذه النتيجة هي الفجوة بين الطريقة التي يرى بها المسؤولون التنفيذيون المؤسسة والطريقة التي تعيشها الطبقة التي تليهم. هذه النتيجة أصعب على التقبّل من أي رقم يخص السوق. وهي أيضًا أثمن ما على الطاولة، لأنها تفسّر فجوة التنفيذ التي لاحظها معظم الرؤساء التنفيذيين منذ سنوات من دون أن يتمكنوا من تسميتها.

الثقافة ليست الجزء «الناعم» من الخطة. إنها الجزء الذي يحدد ما إذا كانت الخطة ستصمد عند احتكاكها بالمؤسسة. قِسها مبكرًا، واقرأها بصدق، وضعها حيث يكون المال.

إذا كنتم مقبلين على دورة تخطيط استراتيجي وتريدون معرفة ما تستطيع مؤسستكم تحمّله فعليًا، فهذا هو العمل الذي نقوم به في People & Co. راسلونا على info@peopleandco.me.